فخر الدين الرازي

188

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية . المسألة الرابعة : تمسك نفاة القياس بقوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ والجواب عنه : أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على اللّه بما يعلم لا بما لا يعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله : لَهُمُ على ثلاثة أقوال أحدها : أنه عائد على « من » في قوله : مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 165 ] وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم . وثانيها : يعود على « الناس » في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الالتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون . وثالثها : قال ابن عباس : نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول اللّه إلى الإسلام ، فقالوا : نتبع ما وجدنا عليه أباءنا ، فهم كانوا خير منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية مستأنفة ، والكناية في لَهُمُ تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم ، كما يعود على المذكور ، ثم حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وفيه مسائل : المسألة الأولى : الكسائي يدغم لام « هل » و « بل » في ثمانية أحرف : التاء كقوله : بَلْ تُؤْثِرُونَ [ الأعلى : 16 ] والنون بَلْ نَتَّبِعُ والثاء هَلْ ثُوِّبَ [ المطففين : 36 ] والسين بَلْ سَوَّلَتْ * [ يوسف : 18 ] والزاي بَلْ زُيِّنَ [ الرعد : 33 ] والضاد بَلْ ضَلُّوا [ الأحقاف : 28 ] والظاء بَلْ ظَنَنْتُمْ والطاء بَلْ طَبَعَ [ النساء : 155 ] وأكثر القراء على الإظهار ، ومنهم من يوافقه في البعض ، والإظهار هو الأصل . المسألة الثانية : أَلْفَيْنا بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ لقمان : 21 ] ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ [ يوسف : 25 ] وقوله : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ [ الصافات : 69 ] . المسألة الثالثة : معنى الآية : أن اللَّه تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل اللَّه من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك ، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا ، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد ، وأجاب اللَّه تعالى عنهم بقوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو في أَ وَلَوْ واو العطف ، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه . المسألة الثانية : تقرير هذا الجواب من وجوه . أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا ، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف ، فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم / كونه محقا ، فاذن قد جوزت تقليده ، وإن كان مبطلا فإذن أنت على