فخر الدين الرازي

227

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اللَّهُ عَنْكَ [ التوبة : 43 ] فإذا تعدى إلى الذنب قيل : عفوت عن فلان عما جنى ، كما تقول : عفوت له عن ذنبه ، وتجاوزت له عنه ، وعليه هذه الآية ، كأنه قيل : فمن عفي له من جنايته ، فاستغنى عن ذكر الجناية . البحث الثالث : لم قيل شيء من العفو ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذا إنما يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط ، فحينئذ يقال : القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله : شَيْءٌ فائدة ، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضا لأن له أن يعفو عن القود دون المال ، وله أن يعفو عن الكل ، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ . والجواب الثاني : أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة ، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر / في سقوط القود ، إلا أن يكون عفوا عن جميعه ، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود ، وعفو بعض الأولياء عن حقه ، كعفو جميعهم عن خلقهم ، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك ، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوما منه ، فلذلك قال تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ . البحث الرابع : بأي معنى أثبت اللّه وصف الأخوة . والجواب : قيل : إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمنا من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى سماه مؤمنا حال ما وجب القصاص عليه ، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني : أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم ، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين ، لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 15 ] فلو لا أن الإيمان باق مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث : أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن ، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا : إن قلنا المخاطب بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى هم الأئمة فالسؤال زائل ، وإن قلنا : إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما : أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمنا ، فسماه اللّه تعالى مؤمنا بهذا التأويل والثاني : أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمنا ، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب . وأما الوجه الثاني : وهو ذكر الأخوة ، فأجابوا عنه من وجوه الأول : أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحدا ، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني : الظاهر أن الفاسق يتوب ، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخا له والثالث : يجوز أن يكون جعله أخا له في النسب كقوله تعالى : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً * [ الأعراف : 65 ] والرابع : أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص ، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة ، كما تقول للرجل ، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس : ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد . والجواب : أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان ، وبصفة دون صفة ، واللّه تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق . وأما قوله تعالى : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ففيه أبحاث :