فخر الدين الرازي

218

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والكافر ، روى الحسن بن علي رضي اللّه عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : « للسائل حق ولو جاء على فرس » وقال تعالى : فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ المعارج : 24 ، 25 ] . أما قوله : وَفِي الرِّقابِ ففيه مسألتان . المسألة الأولى : الرِّقابِ جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها من المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا المعنى يقال : أعتق اللّه رقبته / ولا يقال أعتق اللّه عنقه ، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، لأجل مراعاتها موت ولدها . المسألة الثانية : معنى الآية : ويؤتي المال في عتق الرقاب ، قال القفال : واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه ، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف الزكاة إلا في إعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعا ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى . واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات . الأمر الثالث : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وذلك قد تقدم ذكره . الأمر الرابع : قوله تعالى : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في رفع والموفون قولان أحدها : أنه عطف على محل مَنْ آمَنَ تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش الثاني : رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون . المسألة الثانية : في المراد بهذا العهد قولان الأول : أن يكون المراد ما أخذه اللّه من العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، وقد أخبر اللّه تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] فكان المعنى في هذه الآية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد اللّه ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق اللّه وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضي على هذا القول وقال : إن قوله تعالى : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ صريح في إضافة هذا العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : إِذا عاهَدُوا فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى . الجواب عنه : أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه ، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم .