فخر الدين الرازي
214
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لأنه عمل بمنسوخ قد نهى اللّه عنه ، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث : أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة اللّه ، وإنما يكون براً إذا أتى به مع الإيمان ، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر ، إلا إذا أتى بها مع الإيمان باللّه ورسوله ، فأما إذا أتى بها بدون هذا الشرط ، فإنها لا تكون من أفعال البر ، روى أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعى بطاعة اللّه إلا الاستقبال ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين . المسألة السادسة : قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فيه حذف وفي كيفيته وجوه أحدها : ولكن البر بر من آمن باللّه ، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] أي حب العجل ، ويقولون : الجود حاتم والشعر زهير ، والشجاعة عنترة ، وهذا اختيار الفراء ، والزجاج ، وقطرب ، قال أبو علي : ومثل هذه الآية قوله : أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ [ التوبة : 19 ] ثم قال كَمَنْ آمَنَ [ التوبة : 19 ] وتقديره ، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين ، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر وفاعل وثانيها : قال أبو عبيدة البر هاهنا بمعنى الباء كقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [ طه : 132 ] أي للمتقين ومنه قوله : إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً [ الملك : 30 ] أي غائراً ، وقالت الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار أي مقبلة ومدبرة معاً وثالثها : أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم : هم درجات عند اللّه أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها : التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل . واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه : ولكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن باللّه ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت وَلكِنَّ الْبِرَّ بفتح الباء ، وقرأ نافع وابن عامر ولكن مخففة البر بالرفع ، والباقون لكِنَّ مشددة الْبِرَّ بالنصب . المسألة السابعة : اعلم أن اللّه تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراًالأول : الإيمان بأمور خمسة أولها : الإيمان باللّه ، ولن يحصل العلم باللّه إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالماً بكل المعلومات ، قادراً على كل الممكنات / حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرع على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها : الإيمان بالملائكة ورابعها : الإيمان بالكتب وخامسها : الإيمان بالرسل ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل