فخر الدين الرازي

212

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذلك جاز مثله في « ما » وثالثها : أن الحرف « ما » يظهر معناه في غيره ، وهذه الكلمة كذلك فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام ، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائماً ورابعها : أن « ليس » لو كان فعلًا لكان « ما » فعلًا وهذا باطل ، فذاك باطل بيان الملازمة أن « ليس » لو كان فعلًا لكان ذلك لدلالة على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال ، وهذا المعنى قائم في « ما » فوجب أن يكون « ما » فعلًا فلما لم يكن هذا فعلًا فكذا القول ذلك ، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول : « ليس » كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت « ما » في نفي الفعلية وخامسها : إنك تصل « ما » بالأفعال الماضية فتقول : ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل « ما » بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك وسادسها : أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل ، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل . فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف / للزومه حالة واحدة ، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها ، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً ، لأنه أخف الأبنية . قلنا : هذا كله خلاف الأصل ، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف ، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات ، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً وسابعها : ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا ، و : أيس ، أي موجود قال ولذلك يقولون : أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود ، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب ، قال وذكر الخليل أن « ليس » كلمة جحود معناها : لا أيس ، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام ، والدليل عليه قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس ، ومعناه : من حيث هو ولا هو وثامنها : الاستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر ، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلًا ، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفي زيداً وأعدمه ، قلنا : قولك نفي زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها ، فلم يكن السؤال وارداً ، وأما القائلون بأن « ليس » فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن « ليس » قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم ليس زيداً ، وعن الثاني أنه منقوض بقولهم : أخذ يفعل كذاو عن الثالث : أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة وعن الرابع : أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة وعن الخامس : أن لك إنما امتنع من قبل أن : ما ، للحال وليس للماضي ، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس : أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن السابع : أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما قوله : من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً ، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن : أن « ليس » مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية ، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة . المسألة الثالثة : قرأ حمزة وحفص عن عاصم لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء ، والباقون بالرفع ، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم « ليس » وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً ، والآخر خبراً ، وحجة من رفع البر أن اسم ليس مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي