فخر الدين الرازي

209

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أقوى من الاستدلال بهذا الضمير على الفعلية ، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي ، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى ، فهذا جملة الكلام في هذا القول . القول الثاني : وهو اختيار الأخفش قال : القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة « ما » وهو قولك : أحسن صلة لما ، ويكون خبر « ما » مضمراً ، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم ، وقولك : ما أحسن زيداً كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه . القول الثالث : وهو اختيار الفراء : أن كلمة « ما » للاستفهام وأفعل اسم ، وهو للتفضيل ، كقولك : زيد أحسن من عمرو ، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه ، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان ؟ إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق ، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل ، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه ، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا ، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن ، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد ، وبينهما فرق كما ترى ، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض / لأنه أضيف أحسن إليه ، ونصب هنا للفرق ، وأيضاً ففي كل تفصيل معنى الفعل ، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول ، فإن معنى قولك : زيد أعلم من عمرو ، أن زيداً جاوز عمراً في العلم ، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق . القول الرابع : وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن « ما » للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون ، معناه : أي شيء حسن زيداً ، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن ، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله ، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء اللّه في قوله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [ مريم : 38 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 176 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : ذلِكَ إشارة إلى ما ذا ؟ فذكروا وجهين : الأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن اللّه نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها : أن لهم عذاباً أليما ورابعها : أن اللّه لا يزكيهم وخامسها : أن اللّه لا يكلمهم فقوله : ذلِكَ يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها .