فخر الدين الرازي
198
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فعيناك عيناها * وجيدك جيدها وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد الاحتمالين إيجاب تذكيته ، وأنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه ، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله ، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية ، أجاب الشافعي رضي اللّه عنه من وجوه أحدها : أن على الاحتمال الذي ذكرتموه لا بد فيه من إضمار وهو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه ، والإضمار خلاف الأصل وثانيها : أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه ، ومتى ولد لا يسمى جنيناً ، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً ، فوجب أن يكون في تلك الحالة مذكى بذكاتها وثالثها : أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكاته إذا خرج حياً تسقط فائدته ، لأن ذلك معلوم قبل وروده ورابعها : ما روي عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً ، قال : إن شئتم فكلوه ، فإن ذكاته ذكاة أمه ، وأما القياس فمن وجوه أحدهما : أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقيت جنيناً ميتاً ، لم ينفرد الجنين بحكم نفسه ، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة ، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتاً ، كان تبعاً للأم في الذكاة ، وإذا خرج حياً لم يؤكل حتى يذكى وثانيها : أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائر الأعضاء وثالثها : الواجب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة ، كما يتبع الولد الأم في العتاق والاستيلاد والكتابة ونحوها . المسألة التاسعة : ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة ، فوجب أن يكون حراماً إنما قلنا : إنه ميتة ، للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام : « ما أبين من حي فهو ميت » وأما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم واللذة ، وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً ، فوجب أن يحرم لقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] المسألة العاشرة : اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد ، فعند الشافعي رضي اللّه عنه ، لا يستعقبه ، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي ، وعند أبي حنيفة يستعقبه . القسم الثاني : مما دخل في الآية وليس منها ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات ، وإنما يقتضي تحريم عين الميتة ، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة ، فلا يتناوله لفظ التحريم ، كالسمن إذا وقعت فيه فأوة وماتت فإنه لا يتناولها ، هذا الظاهر وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما : أما الذي ينجس بمجاورته الميتة فيحرم ، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم والثاني : أن الذي ينجس كيف الطريق إلى تطهيره ؟ المسألة الثانية : سأل عبد اللَّه بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات ، فقال أبو حنيفة لأصحابه : ما ترون فيها ؟ فذكروا له عن ابن عباس : أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل ويراق المرق ، فقال أبو حنيفة بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع في حال غليانها : لم