فخر الدين الرازي

289

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وفيه مسائل : المسألة الأولى : الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه ، قال : فأما تثقفوني فاقتلوني * فمن أثقف فليس إلى خلود ثم نقول قوله تعالى : اقْتُلُوهُمْ الخطاب فيه واقع على النبي صلى اللّه عليه وسلّم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن ، والضمير في قوله : اقْتُلُوهُمْ عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة ، فأمر اللّه تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم ، وفي الشهر الحرام ، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة ، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام . المسألة الثانية : نقل عن مقاتل أنه قال : إن الآية المتقدمة على هذه الآية ، وهي قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ البقرة : 190 ] منسوخة بقوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ البقرة : 193 ] وهذا الكلام ضعيف . أما قوله : إن قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ منسوخ بهذه الآية ، فقد / تقدم إبطاله ، وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ ، وأما قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخ بقوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ البقرة : 193 ] فهو خطأ أيضا لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى . أما قوله تعالى : وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ففيه بحثان : البحث الأول : أن الإخراج يحتمل وجهين أحدهما : أنهم كلفوهم الخروج قهرا والثاني : أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم ، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج . البحث الثاني : أن صيغة « حيث » تحتمل وجهين أحدهما : أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني : أخرجوهم من منازلكم ، إذا عرفت هذا فنقول : أن اللّه تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه ، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد ، ولهذا السبب أجلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كل مشرك من الحرم . ثم أجلاهم أيضا من المدينة ، وقال عليه الصلاة والسلام : « لا يجتمع دينان في جزيرة العرب » . أما قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ففيه وجوه أحدها : وهو منقول عن ابن عباس : أن المراد من الفتنة الكفر باللّه تعالى ، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج ، وفيه الفتنة ، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل ، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم ، والقتل ليس كذلك ، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة ، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل ، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام ، فالمؤمنون عبوه على ذلك ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام ، فإن إقدام الكفار على