فخر الدين الرازي
82
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لا بد وأن يستقبله بوجهه ، وأن لا يكون معرضاً عنه ، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلًا للملك لا معرضاً عنه ، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة . وثانيها : أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة ، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلًا لجهة واحدة على التعيين ، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام ، كان استقبال تلك الجهة أولى . وثالثها : أن اللّه تعالى يجب الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد ذكر المنة بها عليهم ، حيث قال : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله : إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] ولو توجه واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً ، فعين اللّه تعالى لهم جهة معلومة ، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن اللّه تعالى يجب الموافقة بين عباده في أعمال الخير . ورابعها : أن اللّه تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله : بَيْتِيَ وخص المؤمنين بإضافتهم بصفة العبودية إليه ، وكلتا / الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال : يا مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي ، وبقلبك إلى . وخامسها : قال بعض المشايخ : إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [ القصص : 44 ] الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [ مريم : 16 ] والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل اللّه ، ومولد حبيب اللّه ، وهي موضع حرم اللّه ، وكان بعضهم يقول : استقبلت النصارى مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فمن نوره خلقت الأنوار جميعاً . وسادسها : قالوا : الكعبة سرة الأرض ووسطها ، فأمر اللّه تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم ، وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق . وسابعها : أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود ، فأنزل اللّه تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة : 144 ] الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا : فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فاللّه تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق ، وقال : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين ، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [ الضحى : 5 ] وفيه إشارة أيضاً إلى شرف الفقراء : فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنعام : 52 ] وقال في الإعراض عن القبلة : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ [ البقرة : 145 ] فكأنه تعالى قال : الكعبة قبلة وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب كونك ظالماً ، فالإعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون . وثامنها : العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين ، قال اللّه تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] وثبت أن العرش مخلوق من النور ، والكرسي من الدر ، والبيت المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة : من طور سينا ، وطور زيتا ، والجودي ، ولبنان ، وحراء ، والإشارة فيه كأن اللّه تعالى