فخر الدين الرازي
80
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الكل . قال القاضي : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالًا لم يتركوا مقالًا البتة . أما قوله تعالى : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ففيه مسائل : المسألة الأولى : ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [ الأنفال : 16 ] وقوله : ما وَلَّاهُمْ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب . المسألة الثانية : في هذا التولي وجهان . الأول : وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله : ما وَلَّاهُمْ للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس ، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهراً وعن قتادة بعد ستة عشر شهراً وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً ، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً من مقدمه . قال الواقدي : صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً ، وقال آخرون : بل سنتان . الوجه الثاني : قول أب مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن اللّه تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به ، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها ، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى ، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق ، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم متوجهاً نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكراً ، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين ، فقال اللّه تعالى راداً عليهم ؛ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملًا واللّه أعلم . / المسألة الثالثة : قال القفال : القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ، وهي من المقابلة ، وإنما سميت القبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ، وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة ، أي ليس له جهة يأوي إليها ، وهو أيضاً مأخوذ من الاستقبال ، وقال غيره : إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر ، وقال بعض المحدثين : جعلت مأواك لي قراراً * وقبلة حيثما لجأت أما قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها للّه ملكاً وملكاً ، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن اللّه تعالى جعلها قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى ، فإن قيل : ما الحكمة أولًا في تعيين القبلة ؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة ؟ قلنا : أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة ، أما أهل السنة فإنهم يقولون : لا يجب تعليل أحكام اللّه تعالى البتة ، واحتجوا عليه بوجوه . أحدها : أن كل من فعل فعلًا لغرض ، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده ،