فخر الدين الرازي
66
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لفظة « ما » لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟ وجوابه من وجهين : الأول : أن « ما » عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون . والثاني : قوله : ما تَعْبُدُونَ كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟ المسألة الثانية : قوله : مِنْ بَعْدِي أما قوله : قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ففيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل . الأول : المقلدة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف . الثاني : التعليمية . قالوا : لا طريق إلى معرفة اللّه إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل ، بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم . والجواب : كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي ، فليس فيها أيضاً دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم ، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلًا على سبيل الاستدلال ، أقصى ما في الباب أن يقال : فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال . والجواب عنه من وجوه ، أولها : أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات اللّه تعالى / بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله . وثانيها : أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجزي إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له . وثالثها : لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره اللّه تعالى في أول هذه السورة في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] وهاهنا مرادهم بقولهم : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ أي : نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد . المسألة الثانية : قال القفال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته ، فقال لهم هذا القول تحريضاً لهم على التمسك بعبادة اللّه تعالى . و حكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين . الأول : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين . والثاني : أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوماً صالحين وذلك لا يليق بحالهم . المسألة الثالثة : قوله : إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لآبائك . قال القفال : وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق . المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي اللّه عنه : الأخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد