فخر الدين الرازي

64

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين . أحدها : أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال : وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر ، لأن الوصية عند الخوف من الموت ، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم ، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه ، كان القول إلى قبوله أقرب . وثانيها : أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك ، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم ، فلما خصهم بذلك في آخره عمره ، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره . وثالثها : أنه / عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم بهذه الوصية ، وذلك أيضاً يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين ، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين ، وذلك يدل أيضاً على شدة الاهتمام بهذا الأمر . وخامسها : أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى ، وهذا يدل أيضاً على شدة الاهتمام بهذا الأمر ، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة ، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر ، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام ، وأجراها بالرعاية ، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية ، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإسلام والدين . أما قوله : وَيَعْقُوبُ ففيه قولان : الأول : وهو الأشهر أنه معطوف على إبراهيم ، والمعنى أنه وصى كوصية إبراهيم . والثاني : قرئ وَيَعْقُوبُ بالنصب عطفاً على بنيه ، ومعناه : وصى إبراهيم بنيه ، ونافلته يعقوب ، أما قوله : يا بَنِيَّ فهو على إضمار القول عند البصريين ، وعند الكوفيين يتعلق بوصي لأنه في معنى القول ، وفي قراءة أبي وابن مسعود ، أن يا بني . أما قوله : اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره . أما قوله : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فالمراد بعثهم على الإسلام ، وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين ، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأموراً به في كل حال ، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلًا نفسه في الخطر والغرور . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 133 إلى 134 ] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإسلام ، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى ، ومبالغة في البيان وفيه مسائل : [ في معنى أم في قوله تعالى أم كنتم شهداء ] المسألة الأولى : اعلم أن ( أم ) معناها حرف الاستفهام ، أو حرف العطف ، وهي تشبه من حروف العطف « أو » وهي تأتي على وجهين : متصلة بما قبلها ومنقطعة منه ، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ فأنت لا تعلم كون أحدهما عنده فتسأل هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم ، أما إذا علمت