فخر الدين الرازي

59

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قوله : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف ، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزاً لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة ، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة ، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام ، فإن اللّه تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونوراً لما فيه من المعاني والحكم والأسرار ، فلما ذكر اللّه تعالى أولًا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ . الصفة الثالثة : من صفات الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قوله : وَالْحِكْمَةَ أي ويعلمهم الحكمة . واعلم أن الحكمة هي : الإصابة في القول والعمل ، ولا يسمى حكيماً إلا من اجتمع له الأمران وقيل : أصلها من أحكمت الشيء أي رددته ، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل ، ووضع كل شيء موضعه . قال القفال : وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية . واختلف المفسرون في المراد بالحكمة هاهنا على وجوه . أحدها : قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : معرفة الدين ، والفقه فيه ، والاتباع له . وثانيها : قال الشافعي رضي اللّه عنه : الحكمة سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . وهو قول قتادة ، قال أصحاب الشافعي رضي اللّه عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولًا وتعليمه ثانياً ثم عطف عليه الحكمة / فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب ، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام . فإن قيل : لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة ؟ قلنا : لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى . وثالثها : الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل ، وهو مصدر بمعنى الحكم ، كالعقدة والجلسة . والمعنى : يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها ، ومثال هذا : الخبر والخبرة ، والعذر والعذرة ، والغل والغلة ، والذل والذلة . ورابعها : ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة . وَالْحِكْمَةَ أراد بها الآيات المتشابهات . وخامسها : يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي يعلمهم ما فيه من الأحكام . وَالْحِكْمَةَ أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع ، ومن الناس من قال : الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات ، وبأنه كتاب ، وبأنه حكمة . الصفة الرابعة : من صفات الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : قوله : « ويزكيهم » وأعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين . أحدهما : أن يعرف الحق لذاته . والثاني : أن يعرف الخير لأجل العمل به ، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهراً عن الرذائل والنقائص ، ولم يكن زكياً عنها ، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص ، فقال : وَيُزَكِّيهِمْ وأعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين ، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلًا فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار ، فإذن هذه التزكية لها تفسيران . الأول : ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد ، والوعظ والتذكير ، وتكرير ذلك عليهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا ، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق . الثاني : يزكيهم ، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكي الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده