فخر الدين الرازي
51
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها . المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك ، ثم إن اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين . أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران . والثاني : أن يكون أحدهما بانياً للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيئ له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلًا صغيراً وروي معناه عن علي رضي اللّه عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى اللّه فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بإصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : مِنَ الْبَيْتِ ثم ابتدءوا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : تَقَبَّلْ مِنَّا ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو اللّه بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده واللّه أعلم . المسألة الرابعة : إنما قال : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن اللّه تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء . النوع الأول : في قوله تعالى : تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : تَقَبَّلْ مِنَّا فقال المتكلمون : كل عمل يقبله اللّه تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من اللّه بالقبول توسعاً . وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم الذي عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] واللّه أعلم . المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى اللّه تعالى في قبولها وطلبوا الثواب