فخر الدين الرازي

45

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الرابعة : في فضائل البيت : روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال : « قلت يا رسول اللّه أي مسجد وضع على الأرض أولًا ؟ قال : المسجد الحرام ، قال : قلت ثم أي ؟ قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد » أخرجاه في الصحيحين ، وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال : خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال عليه السلام : « أول بقعة وضعت / في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال » . وعن وهب بن منبه قال : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره ، فقال : يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري . فقال اللّه تعالى : إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولادها بذكرى وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض ، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي ، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي أجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض ، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ الحج : 27 ] يعجون بالتكبير عجاً إلى ويثجون بالتلبية ثجاً ، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي ، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً ، فإذا انقلب إلى وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه ، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فاستجب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس . وعن عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال : يا رب ما لي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة ؟ قال : بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت ، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ، وسأل عمر كعباً فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله اللّه تعالى من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم عليه السلام ، فقال : / يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله