فخر الدين الرازي

35

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ [ المؤمنون : 10 ] وروى عشر في : سَأَلَ سائِلٌ [ المعارج : 1 ] إلى قوله : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [ المعارج : 34 ] فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس . وثالثها : أمره بمناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس . ورابعها : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس ، والقمر ، والكواكب ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة ، فوفي بالكل فلهذا قال اللّه تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] عن الحسن . وخامسها : أن المراد ما ذكره في قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] . وسادسها : المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه اللّه : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف واللّه أعلم المسألة السادسة : قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ، لأن اللّه تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله اللّه إماماً ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول ، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة ، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب ، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته ، وإذا كان كذلك فاللّه تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفي عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون : إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي ، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك ، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق ، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي : يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر ، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه اللّه بذلك قبل النبوة ، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا الختان ، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة ، ثم قال : فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات / هذه الأشياء كان المراد من قوله : فَأَتَمَّهُنَّ أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة . المسألة السابعة : الضمير المستكن في فَأَتَمَّهُنَّ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من غير تفريط وتوان . ونحوه : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وفي الأخرى للّه تعالى بمعنى : فأعطاه ما طلبه لم ينقض منه شيئاً . أما [ التشريف ف ] قوله تعالى : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك . وفيه مسائل :