فخر الدين الرازي

25

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم ؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وأنقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع ، فأولها : قضبه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة ، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل . وثانيها : القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعاً للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل . وثالثها : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ورابعها : القضاة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة . المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه . أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ يعني خلقهن . وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] . وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي . ورابعها : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ [ الإسراء : 4 ] أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقروناً بإلى . وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : 29 ] يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [ هود : 44 ] يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [ الحج : 29 ] بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : إِذا قَضى أَمْراً [ آل عمران : 47 ] قيل : إذا خلق شيئاً ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئاً ، وقيل : أحكم أمراً ، قال الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمر هاهنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 47 ] بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ [ آل عمران : 59 ، 60 ] وفي الأنعام : كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ [ الأنعام : 73 ] فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون . المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 47 ] هو أنه تعالى يقول له : كُنْ فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول : أن قوله : كُنْ فَيَكُونُ إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على كُنْ إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه . الأول : أن كلمة كُنْ لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً ، والكاف لكونه متقدماً على