فخر الدين الرازي

18

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

العبادة في الكعبة ، وأيضا فقوله : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا : الجواب عن الأول : أن قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر . وعن الثاني : أن الظاهر قوله : ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم . وثالثها : قوله تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [ التوبة : 17 ] وعمارتها تكون بوجهين . أحدهما : بناؤها وإصلاحها . والثاني : حضورها ولزومها ، كما تقول : فلان يعمر / مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » ، وذلك لقوله تعالى : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 18 ] ، فجعل حضور المساجد عمارة لها . ورابعها : أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء : « اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة » فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه . وخامسها : أن اللّه تعالى أمر بتطهير البيت في قوله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ الحج : 26 ] والمشرك نجس لقوله تعالى ؛ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجباً . وسادسها : أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه اللّه بأمور ، الأول : روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد . الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن » وهذا يقتضي إباحة الدخول . الثالث : الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، والجواب عن الحديثين الأولين : أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة ، أما القول الأول [ أي نزلت في أمر يختص بالصلاة ] فهو أقوى لوجهين ، أحدها : أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة . وثانيهما : أن ظاهر قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من قوله : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ * [ البقرة : 144 ] إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه : أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم اللّه باستقباله فهو القبلة ، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن اللّه جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى