فخر الدين الرازي
527
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولًا « حطة » ثم يدخلوا الباب سجداً ، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولًا بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانياً : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولًا ثم يقولوا حطة ثانياً ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر اللّه تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . السؤال السابع : لم قال : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ في البقرة مع الواو وفي الأعراف : سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ من غير الواو ؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، وثانيها : دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وهو واقع في مقابلة قول الحطة . والآخر : قوله : سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة . السؤال الثامن : قال اللّه تعالى في سورة البقرة : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا وفي الأعراف : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا فما الفائدة في زيادة كلمة « منهم » في الأعراف ؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة هاهنا مبني على التخصيص بلفظ « من » لأنه تعالى قال : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال اللّه تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فذكر لفظة : مِنْهُمْ في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وهاهنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم / موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف ، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق . السؤال التاسع : لم قال في البقرة : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً وقال في الأعراف : فَأَرْسَلْنا الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة . السؤال العاشر : لم قال في البقرة : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وفي الأعراف : بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 60 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين ، وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء ، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة