فخر الدين الرازي

510

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلًا فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟ فإن قلت : إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود . قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر / إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة . وأما قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ففيه وجوه . أحدها : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . وثانيها : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم اللّه تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [ يونس : 92 ] أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . وثالثها : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث . فأما قوله تعالى : وَإِذْ واعَدْنا فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من اللّه تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه ، أحدها : أن الوعد وإن كان من اللّه تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك ، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد اللّه ويكون معناه يعاهد اللّه . وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا . ورابعها : وهو الأقوى أن اللّه تعالى وعده الوحي وهو وعد اللّه المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، أحدها : وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك . وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وسى هو الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه / فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى اللّه عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ففيه أبحاث :