فخر الدين الرازي

652

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أن ترتدوا عن دينكم ، وتمنيهم ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ، لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق ؟ الثاني : أنه متعلق بحسداً أي حسداً عظيماً منبعثاً من عند أنفسهم . أما قوله تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا فهذا يدل على أن اليهود بعد ما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقاء الشبه على ما بيناه ، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه الرضا بما فعلوا ، لأن ذلك كفر ، فوجب حمله على أحد أمرين ، الأول : أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت ، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله / تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [ الجاثية : 14 ] وقوله : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا [ المزمل : 10 ] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وذكروا فيه وجوهاً ، أحدها : أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن ، وثانيها : أنه قوة الرسول وكثرة أمته . وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين : إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 29 ] وعن الباقر رضي اللّه عنه أنه لم يؤمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [ الحج : 39 ] وقلده سيفاً فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد اللّه بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً فكذا هاهنا ، الجواب : أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً ويحل محل قوله : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا إلى أن أنسحه عنكم . السؤال الثاني : كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟ والجواب : أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر اللّه تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شرًّا وقتالًا . القول الثاني : في التفسير قوله : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حسن الاستدعاء ، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول . أما قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره . تم الجزء الثالث : ويليه الجزء الرابع ، وأوله قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ