فخر الدين الرازي

645

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين ، وذلك لأنه روي أن فنحاص بن عازوراء ، وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلًا ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد ، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت باللّه رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ، ثم أتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخبراه فقال : أصبتما خيراً وأفلحتما ، فنزلت هذه الآية ، واعلم أنا نتكلم أولًا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير . المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة ، الأول : قوله عليه السلام : « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » . الثاني : قال أنس : « كنا يوماً جالسين عند النبي / صلى اللّه عليه وسلم فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم ، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت ، قال : نعم ، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر اللّه ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر ، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيراً ، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد اللّه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر ، ولكني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول كذا وكذا ، فأردت أن أعرف عملك ، فلم أرك تعمل عملًا كثيراً ، فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت . فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيباً ولا حسداً على خير أعطاه اللّه إياه ، فقال عبد اللّه : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق » . الثالث : قال عليه السلام : « دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين » . الرابع : قال : « إنه سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج » . الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلًا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثاً : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم اللّه من فضله ، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة . السادس : قال عليه السلام : إن لنعم اللّه أعداء ، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله » . السابع : قال عليه السلام : « ستة يدخلون النار قبل الحساب ، الأمراء بالجور ، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، والعلماء بالحسد » . أما الآثار ، فالأول : حكي أن عوف بن عبد اللّه دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط ، فقال : إني أريد أن أعظك بشيء ، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى اللّه به إبليس ، ثم قرأ : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [ البقرة : 34 ] وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة أسكنه