فخر الدين الرازي
636
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وهاهنا مسألتان : المسألة الأولى : « من » الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشركون ، والدليل عليه قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] والثانية : مزيدة لاستغراق الخير ، والثالثة : لابتداء الغاية . المسألة الثانية : الخير الوحي وكذلك الرحمة ، يدل عليه قوله تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 32 ] المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي . ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك ، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولًا وغداً يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل : المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال : إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى : إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [ الحج : 52 ] أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة . وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك . فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو اللّه تعالى ، وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلًا عن الأول ، وقال تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 29 ] فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين . أحدهما : أنه لا يمتنع أن يكون اللّه هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير . والثاني : أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى واللّه أعلم . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر