فخر الدين الرازي

632

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له ، ولا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول إلى الإنس ملكاً . المسألة الخامسة : « هاروت وماروت » عطف بيان للملكين ، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا ، وقرأ الزهري : هاروت وماروت بالرفع على : هما هاروت وماروت . أما قوله تعالى : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال : وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما : / إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ والمراد هاهنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم : فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب ، وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحداً السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة ، فيقولا له : « إنما نحن فتنة » أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز ، ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة . أما قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين . الأول : أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافراً ، وإذا صار كافراً بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، الثاني : أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة . المسألة الثانية : أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر ، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهاً على سائر الصور ، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة ، فنبه اللّه تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى . أما قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر ، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه ، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه . أما قوله تعالى : إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر واللّه لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم ، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه ، أحدها : قال الحسن : المراد منه التخلية ، يعني السحر إذا سحر إنساناً فإن شاء اللّه منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر ، وثانيها : قال الأصم : المراد إلا بعلم اللّه وإنما سمي الأذان أذاناً لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذناً لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن ، وكذلك قوله تعالى : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ [ التوبة : 3 ] أي إعلام ، وقوله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [ البقرة : 279 ] معناه : فاعلموا وقوله : آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ [ الأنبياء : 109 ] يعني أعلمتكم ، وثالثها : أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل