فخر الدين الرازي
619
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ، قال لبيد : ونسحر بالطعام وبالشراب قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنا نعلل ونخذع كالمسحور المخدوع ، والآخر : نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال : فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر ، والسحر هو الرئة ، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي اللّه عنها : « توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين سحري ونحري » ، وقوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * [ الشعراء : 153 ] ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا * [ الشعراء : 154 ] ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا ، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ [ يونس : 81 ] وقال : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [ الأعراف : 116 ] فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة . المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله . قال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد . روي أنه قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان ، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو واللّه يعلم أني أفضل منه ، فقال عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول اللّه صدقت فيهما ، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن من البيان لسحراً » فسمى النبي صلى اللّه عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبئ عنه سحراً ؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر ؟ قلنا : إنما سماه سحراً لوجهين ، الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا الوجه سمي سحراً ، لا من الوجه الذي ظننت / . الثاني : أن المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً فذلك يشبه السحر من هذا الوجه . المسألة الثالثة : في أقسام السحر : اعلم أن السحر على أقسام . الأول : سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث اللّه تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلًا لمقالتهم وراداً عليهم في مذهبهم . أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير اللّه تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم ، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه