فخر الدين الرازي
610
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في أن قوله : وَما هُوَ كناية عما ذا ؟ فيه ثلاثة أقوال ، أحدها : أنه كناية عن « أحدهم » الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ، وثانيها : أنه ضمير لما دل عليه « يعمر » من مصدره و ( أن يعمر ) بدل منه ، وثالثها : أن يكون مبهماً و ( أن يعمر ) موضحه . المسألة الثانية : الزحزحة التبعيد والإنحاء ، قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول . وأما قوله تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فاعلم أن البصر قد يراد به العلم ، يقال : إن لفلان بصراً بهذا الأمر ، أي معرفة ، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال : إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حمل هذا البصر على العلم لا محالة واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 97 إلى 98 ] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ( 98 ) اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة ، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره اللّه تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً ، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد اللّه بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه السلام : « تنام عيناي ولا ينام قلبي » قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم والظفر والشعر ، فمن المرأة فقال صدقت . فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له ، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟ فقال عليه السلام : « أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر للّه نذراً لئن عافاه اللّه من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب ، وهو لحمان الإبل وألبانها ؟ فقالوا : نعم . فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن اللّه ؟ قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك ، فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا / مبدأ هذه العداوة أن اللّه تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالًا فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم اللّه على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر اللّه عنه أنه سيخرب بيت المقدس ، فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدواً ، وأما ميكائيل فإنه