فخر الدين الرازي

597

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقاً قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب « 1 » . الثاني : أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى اللّه عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني . فهذا أوان انقطاع أبهري » واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 88 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم اللّه بقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الكهف : 57 ] وقوله : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا وقوله : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [ يس : 8 ، 9 ] ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم اللّه تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا / صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم . واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟ أما قوله تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولًا ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم يجد منها شيئاً قوياً . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم اللّه على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها : لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ * [ الأنعام : 20 ] [ البقرة : 146 ] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر

--> ( 1 ) هذا الجواب جواب عن سؤال آخر هو « هلا قيل ففريقاً تكذبون » .