فخر الدين الرازي

592

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي « تظاهرون » بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : وَلا تَعاوَنُوا ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى : اثَّاقَلْتُمْ [ التوبة : 38 ] والحذف أخف والإدغام أدل على الأصل . المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين اللّه تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان . المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن اللّه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من اللّه تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق . المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة . أما قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : ( أسارى تفادوهم ) بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : « أسارى » بالألف و « تفدوهم » بغير ألف و « الأسرى » جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر ثعلب ذلك ، وقال / علي بن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز . المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له ، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة . المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : تُفادُوهُمْ وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك ، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال ، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر ، قال أبو مسلم والمفسرون إنما أتوا من جهة قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم وما أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ