فخر الدين الرازي
584
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار ، الثالث : أن قوله تعالى : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار . ونحن نقول بموجبه : لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة ، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية : وهي أن الشرط هاهنا أمران ، أحدهما : اكتساب السيئة ، والثاني : إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما . وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجوه أحدهما واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 82 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 82 ) اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد ، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه ، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان ، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » ، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق ، وثالثها : أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان ، وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً / أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة ، إلا أن قوله : آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلًا واحداً من أفعال الإيمان ، فلهذا حسن أن يقول : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر ، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله : آمن دليلًا على صدور كل تلك الأعمال منه واللّه أعلم . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة ، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها ، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت ، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ، فإن قيل قوله تعالى : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة ، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات ، فلا يندرج تحت الآية . قلنا : قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد ، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات ، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات ، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك ، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد . بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم . المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلًا ، لأن قوله : أُولئِكَ