فخر الدين الرازي
578
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ومعلوم أن الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا : إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ آل عمران : 192 ] ، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 4 - 5 ] ، فحكم بالفلاح على كل من آمن ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 62 ] . فقوله : وَعَمِلَ صالِحاً نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [ النساء : 124 ] وإنها كثيرة جداً ، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة . والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء اللّه تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات . الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون اللّه تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [ الشورى : 25 ] وقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] وقوله : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [ الشورى : 32 ] إلى قوله : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 34 ] وأيضاً أجمعت الأمة على أن اللّه يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه ، وهذا القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال : إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال : إنه عفا عنه ، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ البقرة : 237 ] ولأنه تعالى قال : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [ الشورى : 25 ] ، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً / من غير فائدة ، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا . الحجة الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ، قال تعالى : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ [ غافر : 3 ] وقال : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [ الكهف : 58 ] وقال : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [ طه : 82 ] وقال : غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ البقرة : 285 ] . والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه ، وإنما قلنا : إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد ، ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب . فإن قيل : لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [ البقرة : 52 ] والمراد