فخر الدين الرازي

461

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والسلام توضأ مرة مرة وقال : « هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به » وأراد نوعه ، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [ البقرة : 35 ] [ الأعراف : 19 ] ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة ، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع ، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد اللّه تعالى من كلمة هذِهِ كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع ، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا ، فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : أحدها : أن كلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر . والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً ، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء / المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع ، فذاك على خلاف الأصل ، وأيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص ، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة ، إذا ثبت هذا فنقول : المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته ، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ هذا على المعين كان قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع ، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين . أحدهما : أن قوله : وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما [ البقرة : 35 ] أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل . والثاني : أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل ، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين ، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار ، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً وأن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه ، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً ، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل . الوجه الثاني : في الاعتراض على هذا التأويل . هب أن لفظ هذا متردد بين الشخص والنوع ، ولكن هل قرن اللّه تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟ فإن كان الأول فإما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان ، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع ، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً . الوجه الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن ، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين ، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلًا وشرعاً ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية . الوجه الرابع : هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية ، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً وحينئذ يعود الإشكال ، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلًا ، وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطئ فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض ؟ والجواب عن الأول : أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه ، وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع . والجواب عن الثاني : هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال ، أو يقال : إنه عرف ذلك لا دليل في وقت ما نهاه اللّه تعالى عن عين الشجرة ، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج . والجواب عن الثالث : أنه لا حاجة هاهنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد ، فإنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها / لكنه