فخر الدين الرازي
570
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قوله تعالى : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [ النساء : 14 ] جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم ، كما لو قيل : ضربت عبيدي ، فإنه يكون ذلك شاملًا لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود اللّه وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد هاهنا تعدي جميع الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فانصرف قوله : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إلى تلك الحدود ، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي ، ولو صح ما ذكرتم / لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود اللّه ، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها ، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي اللّه بجميع المعاصي ، ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [ النساء : 93 ] ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه ، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] . وخامسها : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ الأنفال : 16 ] . وسادسها : قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . وسابعها : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إلى قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [ النساء : 29 ، 30 ] . وثامنها : قوله تعالى : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [ طه : 74 ، 75 ] فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب . وتاسعها : قوله تعالى : وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [ طه : 111 ] وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلًا تحت هذا الوعيد ، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً * يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً [ الفرقان : 68 ، 69 ] بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود ، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار ، والحادية عشرة : قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ [ النمل : 89 ، 90 ] الآية ، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، والثانية عشرة : قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 37 - 39 ] . والثالثة عشرة : قوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ * فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ الجن : 23 ] الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الآية ، فحكى في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] ثم إن اللّه كذبهم فيه ، ثم قال : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة « من » في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه . أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان ، فوجب كونها موضوعة للعموم ، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط ، لأن على