فخر الدين الرازي
567
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الوجه الثالث : قيل في معنى « معدودة » قليلة ، كقوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [ يوسف : 20 ] واللّه أعلم . المسألة الثانية : ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « دعي الصلاة أيام أقرائك » ، فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم . المسألة الثالثة : ذكر هاهنا : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وفي آل عمران : إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [ آل عمران : 24 ] ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو « أياماً » ؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء . يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ و فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فاللّه تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : أَيَّاماً مَعْدُودَةً وفي آل عمران بما هو الفرع . أما قوله تعالى : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ففيه مسائل : المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما سمى خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر ، فالعهد من اللّه لا يكون إلا بهذا الوجه . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : « فلن يخلف اللّه » متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند اللّه عهداً فلن يخلف اللّه عهده . المسألة الثالثة : قوله تعالى : أَتَّخَذْتُمْ ليس باستفهام ، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل / إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير . المسألة الرابعة : قوله تعالى : فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده . قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص ، والنقص على اللّه محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال : فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم . قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب . المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التعذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على