فخر الدين الرازي
316
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والانقياد لمحمد صلى اللّه عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين : وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ، ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه : أحدها : لأن « أو » في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، فكذا قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفيتي هاتين القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك . وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 135 ] وقوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [ الأعراف : 4 ] وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى : أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ [ النور : 61 ] وقال الشاعر : وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها وهذه الوجوه مطردة في قوله : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] السؤال الثالث : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان هاهنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ، وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر / من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وهاهنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب ، قلنا لولا طلب الراجع في قوله : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع : ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب ، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد ، ولا يقال صيب