فخر الدين الرازي
307
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه . المسألة الثالثة : الذين قالوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هم المنافقون ، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر احتمالان : أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا : إنما نحن مصلحون ، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما : أنا إذا فسرنا لا تُفْسِدُوا بمداراة المنافقين للكفار / فقولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار ، ولذلك حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا : إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً [ النساء : 62 ] فقولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي نحن نصلح أمور أنفسنا . واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه ، وتجويز خلافه لا يطعن فيه ، وتوبة الزنديق مقبولة واللّه أعلم . وأما قوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فخارج على وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض ، إذ فيه كفران نعمة اللّه ، وإقدام كل أحد على ما يهواه ، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثواباً ولا عقاباً تهارج الناس ، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد ، ولهذا قال : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ على ما تقدم تقريره . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 13 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان ، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين : أولهما : ترك ما لا ينبغي وهو قوله : آمِنُوا وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أي إيماناً مقروناً بالإخلاص بعيداً عن النفاق ، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان ، فإنه لو لم يكن إيماناً لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص ، فكان قوله : آمِنُوا كافياً في تحصيل المطلوب ، وكان ذكر قوله : كَما آمَنَ النَّاسُ لغواً ، والجواب : أن الإيمان الحقيقي عند اللّه هو الذي يقترن به الإخلاص ، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله : كَما آمَنَ النَّاسُ . المسألة الثانية : اللام في النَّاسُ فيها وجهان : أحدهما : أنها للعهد أي كما آمن رسول اللّه ومن معه ، وهم ناس معهودون ، أو عبد اللّه بن سلام وأشياعه . لأنهم من أبناء جنسهم والثاني : أنها للجنس ثم ها هنا أيضاً وجهان : أحدهما : أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين ، وهؤلاء المنافقون كانوا ، منهم وكانوا قليلين ، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر والثاني : أن المؤمنين هم / الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي . المسألة الثالثة : القائل : آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ إما الرسول ، أو المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول لبعض :