فخر الدين الرازي
303
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 9 إلى 10 ] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) اعلم أن اللّه تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء : أحدها : ما ذكره في هذه الآية ، وهو أنهم يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا فيجب أن يعلم أولًا : ما المخادعة ، ثم ثانياً : ما المراد ، بمخادعة اللّه ؟ وثالثاً : أنهم لما ذا كانوا يخادعون اللّه ؟ ورابعاً : أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم ؟ . [ في بيان قوله تعالى يخادعون اللّه والذين آمنوا ] [ فيه مسائل ] المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا : خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلًا ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين ، لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة ، كما يوجب المخالصة للّه تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع ، وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس . المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا اللّه تعالى ؟ فلقائل أن يقول : إن مخادعة اللّه تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً ، فإذا كان اللّه تعالى لا يخفى عليه البواطن لم يصح أن يخادع . الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن اللّه بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة اللّه تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] وقال في عكسه وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا / الرسول قيل إنهم خادعوا اللّه تعالى . الثاني : أن يقال صورة حالهم مع اللّه حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع اللّه معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع اللّه معهم حيث امتثلوا أمر اللّه فيهم فأجروا أحكامه عليهم . المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه : الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى اللّه عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار . الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » . الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : فاللّه تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم ، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل