فخر الدين الرازي

300

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة ، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم ، والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار ، والإنكار ، والسكوت . فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً . النوع الأول : ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت . القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق ، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، فهذا يجب أن يعد منافقاً ، لأنه بقلبه منكر مكذب ، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار . القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني / فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً ، لقوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً . القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً ، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف اللّه بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعاً ، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه ، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف اللّه بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل الغزالي رحمه اللّه إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني : أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا ؟ وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فهاهنا لا كلام ، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم هاهنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عرفاً لكان هذا الشخص منافقاً ، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى . القسم الثاني : الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث : الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً ، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان ؟ فهذا القسم أيضاً من النفاق . القسم الثاني : أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه . القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً . النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا