فخر الدين الرازي

251

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

منذراً به ، وأيضاً قوله : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا / كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً . ورابعها : قوله : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله : تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] وقوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] وسادسها : قوله : هُدىً لِلنَّاسِ * [ البقرة : 185 ] ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [ القمر : 5 ] وقوله : وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ يونس : 57 ] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [ المائدة : 15 ] وتاسعها : قوله : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت : 51 ] وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ فكيف يكون بلاغاً ، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ إبراهيم : 52 ] وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً الحادي عشر : قوله : قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [ النساء : 174 ] فكيف يكون برهاناً ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [ طه : 123 ، 124 ] فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ - إلى قوله سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 ] والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً . الاحتجاج بالأخبار : وأما الأخبار : فقوله عليه السلام : « إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه وسنتي » فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي اللّه عنه أنه عليه السلام قال : عليكم بكتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن اتبع الهدى في غيره أضله اللّه ، وهو حبل اللّه المتين ، والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم . الاحتجاج بالمعقول : أما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً ، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول . احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات : أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم ، لقوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ