فخر الدين الرازي

286

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اغفر لنا أيتها العصابة ، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء . المسألة الخامسة : في قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ ست قراءات : إما بهمزتين محققتين بينهما ألف ، أو لا ألف بينهما ، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف ، أو لا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرئ « قد أفلح » فإن قيل : فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً ؟ قال صاحب « الكشاف » : هو لاحن خارج عن كلام العرب . المسألة السادسة : الإنذار هو التخويف من عقاب اللّه بالزجر عن المعاصي ، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة ، لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة ، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى . أما قوله : لا يُؤْمِنُونَ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً « لأن » والجملة قبلها اعتراض . المسألة الثانية : احتج أهل السنة بهذه الآية وكل ما أشبهها [ على تكليف ما لا يطاق ] من قوله : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يس : 7 ] وقوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى قوله : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 11 - 17 ] وقوله : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] على تكليف ما لا يطاق ، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً ، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على اللّه ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم اللّه تعالى جهلًا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال . فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان ، لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم اللّه تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان البتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي / والإثبات ، ونذكر هذا على وجه خامس : وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه في قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [ الفتح : 15 ] فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام اللّه تعالى ، وذلك منهي عنه . ثم هاهنا أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام اللّه ، وذلك منهي عنه ، وترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر اللّه تعالى ، فيكون الذم حاصلًا على الترك والفعل ، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع ،