فخر الدين الرازي

271

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معاً ، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء ، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين . أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة ، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم ، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال . وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بما ذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم باللّه وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم / أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات اللّه تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف . وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته وبكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلًا في مسمى الإيمان . القول الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً ، وهو قول بشر بن عتاب المريسي ، وأبي الحسن الأشعري ، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس . القول الثالث : قول طائفة من الصوفية : الإيمان إقرار باللسان ، وإخلاص بالقلب . الفرقة الثالثة : الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط ، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين : أحدهما : أن الإيمان عبارة عن معرفة اللّه بالقلب ، حتى أن من عرف اللّه بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان . أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان . وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة اللّه مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم . وثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي . الفرقة الرابعة : الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان : الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب ، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً ، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان ، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولًا لغيلان . الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، وهو قول الكرامية ، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع ، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر هاهنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول : أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث ، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثاً ، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص ، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات ، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول ، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم ، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به ، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم ، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني ، بقي هاهنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه وسلم مع