فخر الدين الرازي

267

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها : أن اهتدى مطاوع هدى يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع فكما أن الانكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني : أن المنتفع بالهدى سمي مهدياً ، وغير منتفع به لا يسمى مهدياً ، ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث : أن الائتمار مطاوع الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن اللّه تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم . معنى المتقي : المسألة الثانية : المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ، والوقاية فرط الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن اللّه تعالى ذكر المتقي هاهنا في معرض المدح ، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقياً في أمور الدنيا ، بل بأن يكون متقياً فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن يكون آتياً بالعبادات محترزاً عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال : « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس » وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أنهم الذين يحذرون من اللّه العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي الخشية ، قال في أول النساء : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ النساء : 1 ] ومثله في أول الحج ، وفي الشعراء إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ [ هود : 106 ] يعني ألا تخشون اللّه ، وكذلك قال هود وصالح ، ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [ نوح : 3 ] يعني اخشوه ، وكذا قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] وَاتَّقُوا يَوْماً / لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * [ البقرة : 48 ] واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعاً : والإخلاص خامساً : أما الإيمان فقوله تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [ الفتح : 26 ] أي التوحيد أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [ الحجرات : 3 ] وفي الشعراء قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ [ الشعراء : 11 ] أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ الأعراف : 96 ] أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله في النحل : أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [ النحل : 2 ] وفيه أيضاً : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [ النحل : 52 ] وفي المؤمنين وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 52 ] وأما ترك المعصية فقوله : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ [ البقرة : 189 ] أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج : فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [ الحج : 32 ] أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ