فخر الدين الرازي

256

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فإن قيل : يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد ، فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية . قلنا : قولنا ألم * لا يفيد معنى البتة ، فلو جعلناه علماً لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علماً ، بخلاف التسمية بمحمد ، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين ، وهو التبرك به لكونه اسماً للرسول ، ولكونه دالًا على صفة من صفات الشرف ، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين ، بخلاف قولنا : ألم * فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين ، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثاً محضاً . وثانيها : لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر ، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب ، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة ، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر وارتفع الخلاف فيه ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور ، وثالثها : أن القرآن نزل بلسان العرب ، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب ، وأنه غير جائز ، ورابعها : أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء ، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء ، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران ، وخامسها : هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها ، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة ، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة ، فلو جعلناها اسماً للسورة لزم التقدم والتأخر معاً ، وهو محال ، فإن قيل : مجموع قولنا : « صاد » اسم للحرف الأول منه ، فإذا جاز أن يكون المركب اسماً لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسماً لذلك المركب ؟ قلنا : الفرق ظاهر ، لأن المركب يتأخر عن المفرد ، والاسم يتأخر عن المسمى ، فلو جعلنا المركب اسماً للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين ، وذلك غير مستحيل ، أما لو جعلنا المفرد اسماً للمركب لزم من حيث إنه مفرد كونه متقدماً ومن حيث إنه اسم كونه متأخراً ، / وذلك محال ، وسادسها : لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه ، ومعلوم أنه غير حاصل . الجواب : « قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب » قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أن كل ذلك عربي ، لكنه موافق لسائر اللغات ، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين : الثاني : أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولًا في بلاد العرب ، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها ، فتكلموا بتلك الأسماء ، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضاً . قوله : « وجد أن المجمل في كتاب اللّه لا يقدح في كونه بياناً » قلنا : كل مجمل وجد في كتاب اللّه تعالى قد وجد في العقل ، أو في الكتاب ، أو في السنة بيانه ، وحينئذ يخرج عن كونه غير مفيد ، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد اللّه منه . وقوله : « لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب ؟ » قلنا : لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذا الغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض ، وهو بالإجماع باطل . وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا : « ألم » غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني ، فلا يجوز استعمالها فيه ، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب ، ولأنها متعارضة ، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى