فخر الدين الرازي
86
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بوجوه : الأول : أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال ، لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام . الثاني : ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين ، فلو قدر على هذا النفوذ فلم لا يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث : أن الشيطان مخلوق من النار ، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن ، ومعلوم أنه / لا يحس بذلك . الرابع : أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق ، ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة ، وبالجملة فلا نرى لا من عداوتهم ضررا ولا من صداقتهم نفعا . وأجاب مثبتو الشياطين عن السؤال الأول : بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل ، وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل ، وعن الثاني : لا يبعد أن يقال : إن اللّه وملائكته يمنعونهم عن إيذاء علماء البشر ، وعن الثالث : أنه لما جاز أن يقول اللّه تعالى لنار إبراهيم يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] فلم لا يجوز مثله هاهنا ، وعن الرابع : أن الشياطين مختارون ، ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض . تحقيق الكلام في الوسوسة : المسألة التاسعة : في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب « الأحياء » ، قال : القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب ، أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب ، أو مثل مرآة منصوبة تجتاز عليها الأشخاص ، فتتراءى فيها صورة بعد صورة ، أو مثل حوض تنصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة واعلم أن مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس ، وإما من البواطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة في مزاج الإنسان ، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب ، وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب ، وأما إذا منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى ، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال ، فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب ، وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر ، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار ، وأعني بها إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر ، وإنما تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلا عنها ، فالخواطر هي المحركات للإرادات ، والإرادات محركة للأعضاء ، ثم هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة - وإلى ما ينفع - أعني ما ينفع في العاقبة - فهما خاطران مختلفان ، فافتقرا إلى اسمين مختلفين ، فالخاطر المحمود يسمى إلهاما ، والمذموم يسمى وسواسا ، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب ، والتسلسل محال ، فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود ، وهذا ملخص كلام الشيخ الغزالي بعد حذف التطويلات منه . تحقيق كلام الغزالي : المسألة العاشرة : في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي : اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح ، فنقول : لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات . المقدمة الأولى : لا شك أن هاهنا مطلوبا ومهروبا . وكل مطلوب فأما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ،