فخر الدين الرازي

84

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وخر لفيه ، قل : أعوذ بوجه اللّه الكريم ، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، من شر ما ينزل من السماء ، ومن شر ما يعرج فيها ، ومن شر ما نزل إلى الأرض ، وشر ما يخرج منها ، ومن شر فتن الليل والنهار ، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن . والخبر الثالث : روى مالك أيضا في « الموطأ » أن كعب الأخبار كان يقول : أعوذ بوجه اللّه العظيم الذي ليس شيء أعظم منه ، وبكلمات اللّه التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم ، من شر ما خلق وذرأ وبرأ . والخبر الرابع : روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال : يا رسول اللّه ، إني أروع في منامي ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قل : أعوذ بكلمات اللّه التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين ، وأن يحضرون . والخبر الخامس : ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن وقراءته عليهم ، ودعوته إياهم إلى الإسلام . والخبر السادس : روى القاضي أبو بكر في « الهداية » أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم ، فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه ، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس ، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه . والخبر السابع : قوله عليه السلام : « إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم » وقال : « ما منكم أحد إلا وله شيطان » قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا ، إلا أن اللّه تعالى أعانني عليه فأسلم » والأحاديث في ذلك كثيرة ، والقدر الذي ذكرناه كاف . خلق الجن من النار : المسألة الثالثة : في بيان أن الجن مخلوق من النار : والدليل عليه قوله تعالى : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [ الحجر : 27 ] وقال تعالى حاكيا عن إبليس لعنه اللّه أنه قال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * [ الأعراف : 12 ] واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد ، ألا ترى أن الأطباء قالوا : المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح ، وهما في غاية السخونة ، وقال جالينوس : إني بقرت مرة بطن قرد فأدخلت يدي في بطنه ، وأدخلت إصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة بل تزيد ، ونقول : أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية ، وقال بعضهم : الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة من الروحانيات . سبب تسمية الجن جنا : المسألة الرابعة : ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن ، الأول : أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار ، ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ، ومنه الجنة لكونها ساترة للإنسان ، ومنه الجن لاستتارهم عن العيون ، ومنه المجنون لاستتار عقله ، ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً * [ المجادلة : 16 ، المنافقون : 2 ] أي وقاية وسترا ، واعلم أن هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن