فخر الدين الرازي
76
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تعالى سلط الشيطان على البشر ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر فهذا حيف على البشر ، وتخصيص له بمزيد الثقل والاضرار وذلك ينافي كون الإله رحيما ناصر لعباده . الوجه الخامس : أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله : ( أعوذ باللّه ) إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من اللّه وباللّه ، وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . المستعاذ به : الركن الثاني : المستعاذ به : واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على وجهين : أحدهما : أن يقال : ( أعوذ باللّه ) والثاني : أن يقال : ( أعوذ بكلمات اللّه ) أما قوله أعوذ باللّه فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة اللّه وسيأتي ذلك في تفسير بسم اللّه وأما قوله : ( أعوذ بكلمات اللّه التامات ) فاعلم أن المراد بكلمات اللّه هو قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] والمراد من قوله « كن » نفاذ قدرته في الممكنات ، وسريان مشيئته في الكائنات ، بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ، ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة باللّه إلا لكونه موصوفا بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ، وأيضا فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة ، والخروج / من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا ، وأما الروحانيات فإنما يحصل تكونها وخروجها إلى الفعل دفعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان حدوثها شبيها بحدوث الحرف الذي لا يوجد إلا في الآن الذي لا ينقسم ، فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة ، وأيضا ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم الأجسام ، وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [ النازعات : 5 ] فقوله : ( أعوذ بكلمات اللّه التامات ) استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة ، فالمراد بكلمات اللّه التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة . ثم هاهنا دقيقة ، وهي أن قوله : ( أعوذ بكلمات اللّه التامات ) إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى غير اللّه ، وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد ، وتوغل في قعر الحقائق وصار بحيث لا يرى في الوجود أحدا إلا اللّه تعالى ، لم يستعذ إلا باللّه ، ولم يلتجئ إلا إلى اللّه ، ولم يعول إلا على اللّه ، فلا جرم يقول : ( أعوذ باللّه ) و ( أعوذ من اللّه باللّه ) كما قال عليه السلام « وأعوذ بك منك » واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلا أيضا بغير اللّه لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب ، وذلك اشتغال بغير اللّه تعالى ، فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضا عن فنائه عن نفسه فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ باللّه ويصير مستغرقا في نور قوله : ( بسم اللّه ) ألا ترى أنه عليه السلام لما قال : « وأعوذ بك منك » ترقى عن هذا المقام فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك » . المستعيذ : الركن الثالث : من أركان هذا الباب : المستعيذ : واعلم أن قوله ( أعوذ باللّه ) أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك ،