فخر الدين الرازي

72

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الرجيم ) ومن الناس من يقول : لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات ، بل الإنسان إذا جوز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول : أعوذ باللّه على سبيل الإجمال ، وهذا ضعيف جدا لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله : لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [ مريم : 42 ] فبتقدير أن لا يكون الإله عالما بكل المعلومات قادرا على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالا لمن لا يسمع ولا يبصر ، وكان داخلا تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيبا على أبيه ، وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وأن يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام ، وأن يعلم أيضا أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند وجودها ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد وصار مشاهدا لها متيقنا فيها وجب أن يحصل في قلب تلك الجالة المسماة بالانكسار والخضوع ، وحينئذ يحصل في قلبه الطلب ، وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب ، وذلك هو قوله : ( أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ) والذي يدل على كون الإنسان عاجزا عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة أن الصادر عن الإنسان إما العمل وإما العلم ، وهو في كلا البابين في الحقيقة في غاية العجز ، أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة باللّه ، وفي الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة باللّه ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى : أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم ، ولم يعرفوا الجواب عنها ، بل أصروا عليها وظنوها علما يقينيا وبرهانا جليا ، ثم بعد انقضاء أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها ، وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ، ولولا هذا السبب لما وقع بين أهل العلم اختلاف في الأديان والمذاهب ، وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة اللّه وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ودياجي الظلمات ؟ . الحجة الثانية : أن كل أحد إنما يقصد أن يحصل له الدين الحق والاعتقاد الصحيح ، وإن أحدا لا يرضى لنفسه بالجهل والكفر ، فلو كان الأمر بحسب سعيه وإرادته لوجب كون الكل محقين صادقين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك بل نجد المحقين في جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود علمنا أنه لا خلاص من ظلمات الضلالات إلا بإعانة إله الأرض والسماوات . الحجة الثالثة : أن القضية التي توقف الإنسان في صحتها وفسادها فإنه لا سبيل له إلى الجزم بها إلا إذا دخل فيما بينهما الحد الأوسط فنقول : ذلك الحد الأوسط إن كان حاضرا في عقله كان القياس منعقدا والنتيجة لازمة . فحينئذ لا يكون العقل متوقفا في تلك القضية بل يكون جازما بها ، وقد فرضناه متوقفا فيها ، هذا خلف ، وأما إن قلنا إن ذلك الحد الأوسط غير حاضر في عقله فهل يمكنه طلبه ؟ أو لا يمكنه طلبه ، والأول باطل ، لأنه إن كان لا يعرفه بعينه فكيف يطلبه ؟ لأن طلب الشيء بعينه إنما يمكن بعد الشعور به ، وإن كان يعرفه بعينه فالعلم به حاضر في ذهنه فكيف يطلب تحصيل الحاصل ؟ وأما إن كان لا يمكنه طلبه فحينئذ يكون عاجزا عن تحصيل الطريق الذي يتخلص به من ذلك التوقف ويخرج من ظلمة تلك الحيرة ، وهذا يدل على كون العبد في غاية الحيرة والدهشة . الحجة الرابعة : أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [ المؤمنون : 97 ] فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة ، فهذا بيان كمال عجز العبد عن تحصيل العقائد والعلوم ، وأما عجز العبد عن الأعمال الظاهرة التي يجر بها النفع إلى نفسه ويدفع بها الضرر عن نفسه فهذا أيضا كذلك ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن هذا البدن يشبه الجحيم وانكشف