فخر الدين الرازي
65
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الاسم المذكور بعدهما واحدا ، أو أكثر فهذه أقسام أربعة . القسم الأول : أن يذكر فعلان يقتضيان عملا واحدا ، ويكون المذكور بعدهما اسما واحدا ، كقولك : قام وقعد زيد ، فزعم الفراء أن الفعلين جميعا عاملان في زيد ، والمشهور أنه لا يجوز ، لأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين ، والأقرب راجح بسبب القرب ، فوجب إحالة الحكم عليه ، وأجاب الفراء بأن تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات ، أما في المعرفات فجائز ، وأجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة ، فيعود الأمر إلى اجتماع المؤثرين في الأثر الواحد . القسم الثاني : إذا كان الاسم غير مفرد ، وهو كقولك ، قام وقعد أخواك ، فههنا إما أن ترفعه بالفعل الأول ، أو بالفعل الثاني ، فإن رفعته بالأول قلت : قام وقعدا أخواك ، لأن التقدير قام أخواك وقعدا ، أما إذا أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل ، لأن الفعل لا يخلوا من فاعل مضمر أو مظهر ، تقول : قاما وقعد أخواك ، وعند البصريين أعمال الثاني أولى ، وعند الكوفيين أعمال الأول أولى ، حجة البصريين أن أعمالهما معا ممتنع ، فلا بد من / أعمال أحدهما ، والقرب مرجح ، فأعمال الأقرب أولى ، وحجة الكوفيين أنا إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير ، ويلزم حصول الإضمار قبل الذكر ، وذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه . القسم الثالث : ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين ، وكان الاسم المذكور بعدهما مفردا ، فيقول البصريون إن أعمال الأقرب أولى ، خلافا للكوفيين ، حجة البصريين وجوه ، الأول : قوله تعالى : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [ الكهف : 96 ] فحصل هاهنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولا : فأما أن يكون الناصب لقوله قطرا هو قوله آتوني أو أفرغ ، والأول باطل ، وإلا صار التقدير آتوني قطرا ، وحينئذ كان يجب أن يقال أفرغه عليه ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقوله قطرا هو قوله أفرغ ، الثاني : قوله تعالى : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [ الحاقة : 19 ] فلو كان العامل هو الأبعد لقيل هاؤم اقرءوه ، وأجاب الكوفيون عن هذين الدليلين بأنهما يدلان على جواز أعمال الأقرب ، وذلك لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في أنا نجوز أعمال الأبعد ، وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على المنع . الحجة الثالثة : للبصريين أنه يقال : ما جاءني من أحد ، فالفعل رافع ، والحرف جار ، ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب . الحجة الرابعة : أن إهمالهما وإعمالهما لا يجوز ، ولا بد من الترجيح ، والقرب مرجح ، فأعمال الأقرب أولى . واحتج الكوفيون بوجوه : الأول : أنا بينا أن الاسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعا فأعمال الثاني يوجب في الأول الإِضمار قبل الذكر وأنه لا يجوز ، فوجب القول بأعمال الأول هناك ، فإذا كان الاسم مفردا وجب أن يكون الأمر كذلك طردا للباب . الثاني : أن الفعل الأول وجد معمولا خاليا عن العائق ، لأن الفعل لا بد له من مفعول ، والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه ، وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن أعمال الخالي عن العائق أولى من أعمال العامل المقرون بالعائق . القسم الرابع : إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعا فإن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون ، وإن أعملت الأول قلت ضربت وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين .