فخر الدين الرازي

63

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الباب السابع في إعراب الفعل إعراب الفعل : اعلم أن قوله : ( أعوذ ) يقتضي إسناد الفعل إلى الفاعل ، فوجب علينا أن نبحث عن هذه المسائل . المسألة الأولى : إذا قلنا في النحو فعل وفاعل ، فلا نريد به ما يذكره علماء الأصول لأنا نقول : « مات زيد » وهو لم يفعل ، ونقول من طريق النحو : مات فعل ، وزيد فاعله ، بل المراد أن الفعل لفظة مفردة دالة على حصول المصدر لشيء غير معين في زمان غير معين ، فإذا صرحنا بذلك الشيء الذي حصل المصدر له فذاك هو الفاعل ، ومعلوم أن قولنا حصل المصدر له أعم من قولنا حصل بإيجاده واختياره كقولنا قام ، أولا باختياره كقولنا مات ، فإن قالوا : الفعل كما يحصل في الفاعل فقد يحصل في المفعول ، قلنا : إن صيغة الفعل من حيث هي تقتضي حصول ذلك المصدر لشيء ما هو الفاعل ، ولا تقتضي حصوله للمفعول ، بدليل أن الأفعال اللازمة غنية عن المفعول . وجوب تقديم الفعل : المسألة الثانية [ وجوب تقديم الفعل ] : الفعل يجب تقديمه على الفاعل ، لأن الفعل - إثباتا كان أو نفيا يقتضي أمرا ما يكون هو مسندا إليه ، فحصول ماهية الفعل في الذهن يستلزم حصول شيء يسند الذهن ذلك الفعل إليه ، والمنتقل إليه متأخر بالرتبة عن المنتقل عنه ، فلما وجب كون الفعل مقدما على الفاعل في الذهن وجب تقدمه عليه في الذكر ، فإن قالوا : لا نجد في العقل فرقا بين قولنا : « ضرب زيد » وبين قولنا : « زيد ضرب » قلنا : الفرق ظاهر ، لأنا إذا قلنا زيد لم يلزم من وقوف الذهن على معنى هذا اللفظ أن يحكم بإسناد معنى آخر إليه ، أما إذا فهمنا معنى لفظ ضرب لزم منه حكم الذهن بإسناد هذا المفهوم إلى شيء ما ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا قلنا : « ضرب زيد » / فقد حكم الذهن بإسناد مفهوم ضرب إلى شيء ، ثم يحكم الذهن بأن ذلك الشيء هو زيد الذي تقدم ذكره ، فحينئذ قد أخبر عن زيد بأنه هو ذلك الشيء الذي أسند الذهن مفهوم ضرب إليه ، وحينئذ يصير قولنا : زيد مخبرا عنه وقولنا ضرب جملة من فعل وفاعل وقعت خبرا عن ذلك المبتدأ . ارتباط الفعل بالفاعل : المسألة الثالثة [ ارتباط الفعل بالفاعل ] : قالوا : الفاعل كالجزء من الفعل ، والمفعول ليس كذلك ، وفي تقريره وجوه : الأول : أنهم قالوا ضربت فاسكنوا لام الفعل لئلا يجتمع أربع متحركات ، وهم يحترزون عن تواليها في كلمة واحدة ، وأما بقرة فإنما احتملوا ذلك فيها لأن التاء زائدة ، واحتملوا ذلك في المفعول كقولهم ضربك ، وذلك يدل على أنهم اعتقدوا أن الفاعل جزء من الفعل ، وأن المفعول منفصل عنه ، الثاني : أنك تقول : الزيدان قاما أظهرت الضمير للفاعل ، وكذلك إذا قلت زيد ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إلى الضمير المستكن طردا للباب ، والثالث : وهو الوجه العقلي - أن مفهوم قولك ضرب هو أنه حصل الضرب لشيء ما في زمان مضى ، فذلك الشيء الذي حصل له الضرب جزء من مفهوم قولك ضرب ، فثبت أن الفاعل جزء من الفعل .