فخر الدين الرازي

56

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وهي ما تكون حركة وإن لم يتميز في الحس لها مبدأ ، وتسمى الحركة المجهولة ، وبها قرأ أبو عمرو فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [ البقرة : 54 ] مختلسة الحركة من بارئكم وغير ظاهرة بها . المسألة الثامنة : لما كان المرجع بالحركة والسكون في هذا الباب إلى أصوات مخصوصة لم يجب القطع بانحصار الحركات في العدد المذكور ، قال ابن جني اسم المفتاح بالفارسية - وهو كليد - لا يعرف أن أوله متحرك أو ساكن ، قال : وحدثني أبو علي قال : دخلت بلدة فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل ، فتعجبت منها وأقمت هناك أياما فتكلمت أيضا بها ، فلما فارقت تلك البلدة نسيتها . المسألة التاسعة : الحركة الإعرابية متأخرة عن الحرف تأخرا بالزمان ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الحروف الصلبة كالباء والتاء والدال وأمثالها إنما تحدث في آخر زمان حبس النفس وأول إرساله ، وذلك آن فاصل ما بين الزمانين غير منقسم ، والحركة صوت يحدث عند إرسال النفس ، ومعلوم أن ذلك الآن متقدم على ذلك الزمان فالحرف متقدم على الحركة . الثاني : أن الحروف الصلبة لا تقبل التمديد ، والحركة قابلة للتمديد ، فالحرف والحركة لا يوجدان معا لكن الحركة لا تتقدم على الحرف ، فبقي أن يكون الحرف متقدما على الحركة . المسألة العاشرة : الحركات أبعاض من حروف المد واللين ، ويدل عليه وجوه ، الأول : أن حروف المد واللين قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فله طرفان ، ولا طرف لها في النقصان إلا هذه الحركات ، الثاني : أن هذه الحركات إذا مددناها ظهرت حروف المد واللين فعلمنا أن هذه الحركات ليست إلا أوائل تلك الحروف ، الثالث : لو لم تكن الحركات أبعاضا لهذه الحروف لما جاز الاكتفاء بها لأنها إذا كانت مخالفة لها لم تسد مسدها فلم / يصح الاكتفاء بها منها بدليل استقراء القرآن والنثر والنظم ، وبالجملة فهب أن إبدال الشيء من مخالفة القريب منه جائز إلا أن إبدال الشيء من بعضه أولى ، فوجب حمل الكلام عليه . الابتداء بالساكن : المسألة الحادية عشرة [ الابتداء بالساكن ] : الابتداء بالحرف الساكن محال عند قوم ، وجائز عند آخرين ، لأن الحركة عبارة عن الصوت الذي يحصل التلفظ به بعد التلفظ بالحرف ، وتوقيف الشيء على ما يحصل بعده محال . المسألة الثانية عشرة : أثقل الحركات الضمة ، لأنها لا تتم إلا بضم الشفتين ، ولا يتم ذلك إلا بعمل العضلتين الصلبتين الواصلتين إلى طرفي الشفة ، وأما الكسرة فإنه يكفي في تحصيلها العضلة الواحدة الجارية ، ثم الفتحة يكفي فيها عمل ضعيف لتلك العضلة ، وكما دلت هذه المعالم التشريحية على ما ذكرناه فالتجربة تظهره أيضا ، واعلم أن الحال فيما ذكرناه يختلف بحسب أمزجة البلدان ، فإن أهل أذربيجان يغلب على جميع ألفاظهم إشمام الضمة ، وكثير من البلاد يغلب على لغاتهم إشمام الكسرة واللّه أعلم . المسألة الثالثة عشرة : الحركات الثلاثة مع السكون إن كانت إعرابية سميت بالرفع والنصب والجر أو الخفض والجزم ، وإن كانت بنائية سميت بالفتح والضم والكسر والوقف . المسألة الرابعة عشرة : ذهب قطرب إلى أن الحركات البنائية مثل الإعرابية ، والباقون خالفوه ، وهذا الخلاف لفظي ، فإن المراد من التماثل إن كان هو التماثل في الماهية فالحس يشهد بأن الأمر كذلك وإن كان