فخر الدين الرازي

33

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قال أبو حنيفة وصاحباه : تنعقد ، وقال زفر : لا تنعقد ، وحجة زفر أنه لما قال في المرة الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل الشرط ، لأن اسم الكلام اسم لكل ما أفاد شيئا ، سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك وإذا حصل الشرط حصل الجزاء ، وطلقت عند قوله إن كلمتك ، فوقع تمام قوله : « أنت طالق » خارج تمام ملك النكاح ، وغير مضاف إليه ، فوجب أن لا تنعقد ، وحجة أبي حنيفة أن الشرط - وهو قوله إن كلمتك - غير تام ، والكلام اسم للجملة التامة ، فلم يقع الطلاق / إلا عند تمام قوله إن كلمتك فأنت طالق ، وحاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام يتناول الكلمة الواحدة كان القول قول زفر ، وإن قلنا إنه لا يتناول إلا الجملة فالقول قول أبي حنيفة ومما يقوي قول زفر أنه لو قال في المرة الثانية « إن كلمتك » وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله : « فأنت طالق » طلقت ، لولا أن هذا القدر كلام وإلا لما طلقت ، ومما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال : « كلما كلمتك فأنت طالق » ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة « كلما » توجب التكرار فلو كان التكلم بالكلمة الواحدة كلاما لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في المرة الثانية : « كلما كلمتك » وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله : « فأنت طالق » لأن هذا المجموع مشتمل على ذكر الكلمات الكثيرة ، وكل واحد منها يوجب وقوع الطلاق وأقول : لعل زفر يلتزم ذلك . المسألة الثانية عشرة : محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وزفر ينبغي أن يكون مخصوصا بما إذا قال : « إن كلمتك فأنت طالق » أما لو قال : « إن تكلمت بكلمة فأنت طالق » أو قال : « إن نطقت » أو قال : « إن تلفظت بلفظة » أو قال : « إن قلت قولا فأنت طالق » وجب أن يكون الحق في جميع هذه المسائل قول زفر قولا واحدا ، واللّه أعلم . هل يطلق الكلام على المهمل : المسألة الثالثة عشرة [ هل يطلق الكلام على المهمل ] : لفظ الكلمة والكلام هل يتناول المهمل أم لا ؟ منهم من قال يتناوله لأنه يصح أن يقال الكلام منه مهمل ومنه مستعمل ، ولأنه يصح أن يقال تكلم بكلام غير مفهوم ، ولأن المهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير والكلام حاصلا فيه ، ومنهم من قال الكلمة والكلام مختصان بالمفيد ، إذ لو لم يعتبر هذا القيد لزم تجويز تسمية أصوات الطيور بالكلمة والكلام . هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما : المسألة الرابعة عشرة [ هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما ] : إذا حصلت أصوات متركبة تركيبا يدل على المعاني إلا أن ذلك التركيب كان تركيبا طبيعيا لا وضعيا فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة وكلاما ؟ مثل أن الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ ، وعند السعال قد يقول أح أح ، فهذه أصوات مركبة ، وحروف مؤلفة ، وهي دالة على معان مخصوصة ، لكن دلالتها على مدلولاتها بالطبع لا بالوضع ، فهل تسمى أمثالها كلمات ؟ وكذلك صوت القطا يشبه كأنه يقول قطا ، وصوت اللقلق يشبه كأنه يقول لق لق ، فأمثال هذه الأصوات هل تسمى كلمات ؟ اختلفوا فيه ، وما رأيت في الجانبين حجة معتبرة ، وفائدة هذا البحث تظهر فيما إذا قال : إن سمعت كلمة فعبدي حر ، فهل يترتب الحنث والبر على سماع هذه الألفاظ أم لا ؟ . المسألة الخامسة عشرة : قال ابن جني : لفظ القول يقع على الكلام التام ، وعلى الكلمة الواحدة ، على